الأربعاء، 24 أكتوبر 2012

الأمة


الأمة :
نص السؤال : هل من شروط استمرار الأمة الأصالة أم المعاصرة ؟
المقدمة : الأمة جماعة بشرية تربطهم عناصر مشتركة كالدين أو اللغة , فهي تنظيم ثقافي له أغراض روحية وقد ارتأى البعض من المفكرين إلى الاهتمام بهذه الروابط الثقافية المشتركة والتشبث بها . باعتبارها الأصل الذي بوجوده تبقى الأمة مستمرة في الوجود , بينما دعى آخرون إلى عصرنة هذه الروابط من أجل مواكبة العصر إذ لا استمرار لأمة فقدت قدرتها على مواكبة متطلبات العصر وعليه فهل وجود الأمة واستمرارها يكمن في مدى تشبثها ومحافظتها على أصالتها أم في قدرتها على الإبداع ومواكبة التطور الحضاري ؟
التحليل :
استمرار الأمة يكون بالمحافظة على الأصالة :
يؤكد بعض المفكرين وخاصة ذووا الاتجاه المحافظ أن ماضي الأمة هو مصدر استمرارها , وهو الذي يؤكد وجودها وقوتها وفعاليتها . و لهذا تعمل الأمم على إحياء الثقافات التقليدية وبعث قيمها والرفع من شأنها , إذ لا يمكن بقاء الأمة دون المحافظة على تراثها . وفي رأي البعض كما أن الإنسان يعود إلى الوراء لكي يخطو خطوة عملاقة إلى الأمام فكذلك الأمة لا سبيل إلى تقدمها إلا بالعودة إلى تراثها , وقد ركز الفيلسوف الألماني " هردر " في كتابه " فكرة في فلسفة تاريخ الإنسانية " على دور الثقافات الروحية الأصلية لمختلف الشعوب في تحقيق التقدم في التاريخ . وذات الموقف نجده عند " هيقل " الذي يرى أن عزل الأمة عن جذورها سبب في التخلف , كما يرى " مالك بن نبي " أن من غايات الاستعمار محاصرة الثقافة و عزل الأهالي عن ثقافتهم ...
لكن الاهتمام بالأصالة وحدها , والاكتفاء بما أنجزه الأسلاف دون الالتفات إلى ما تنجزه الأمم في العصر الراهن يؤثر سلبا على حاضر الأمة . ولا تكون الأصالة بهذا المعنى إلا مفهوما مرادفا للانغلاق والركود و الجمود . فالتراث وحده لا يكفي لمواجهة متطلبات العصر .
استمرار الأمة يكون بالتفتح على الحضارات الأخرى :
يرى البعض الآخر من المفكرين من أنصار التفتح والتجديد أن بقاء الأمة واستمرارها يكمن في مدى قدرتها على مواكبة متطلبات العصر , فالأمة العصرية هي التي تملك شروط المنافسة مع باقي الأمم . فالمعاصرة تقتضي من الأمة التفاعل مع المعطيات الحضارية الراهنة حيث تتأثر بما يبدعه الغير وتؤثر بدورها في الغير بقدرتها على الإبداع والعطاء , إن مقدرة الأمة على التنافس هو الذي يؤكد وجودها ويجسد فعاليتها بين الأمم .
ويقول في هذا الشأن الأستاذ الفرنسي : " فرانسيوا بيرو François Perroux " في كتابه " الاغتراب والمجتمع الصناعي " : " العلوم والصناعة و التكنولوجية تمكن الشعوب والمجتمعات من التقدم ومن المنافسة ... " وهكذا فالمعاصرة لا تعني التمسك بما هو قديم وإنما البحث عن سبل النمو و التطور بما يمكن الأمة من احتلال مكانه في هرم الحضارات المسيطرة في العصر .
لكن الاهتمام بالمعاصرة وحدها , والاكتفاء بالبحث عن سبل التطور و الرقي دون الالتفات إلى أصول الأمة و خصائصها . يؤثر سلبا على حاضر الأمة لأن التمسك بكل ما هو جديد حتى ولو كان دخيلا وغير مطابق للأصل يعتبر تقليدا وتبعية لا إبداعا حضاريا , فالمعاصرة وحدها قد تؤدي إلى الانسلاخ الحضاري.
استمرار الأمة يكون بالجمع بين الأصالة والمعاصرة :
لقد شبه البعض العلاقة بين الأصالة والمعاصرة بالعلاقة بين الجسد و الروح . فكما أن وجود الإنسان لا يتوقف على جانب دون آخر فكذلك وجود الأمة لا يتوقف على جانب دون آخر , فإذا كانت الأصالة هي روح الأمة فإن المعاصرة هي البدن الذي تستقر فيه الروح .
وقد بين " زكي نجيب محمود " كيفية الجمع بين الأصالة والمعاصرة من خلال كتابه " المعقول واللامعقول " بقوله : " الأخذ عن الأقدمين وجهات النظر بعد تجريدها من مشكلاتهم الخاصة التي جعلوها موضع البحث وذلك لأنه يبعد جدا أن تكون مشكلات حياتنا اليوم هي مشكلاتهم " .
الخاتمة : إن الربط المحكم بين الأصالة و المعاصرة هو الذي يمكن الأمة من البقاء والاستمرار في الوجود . إذ لا إفراط و لا تفريط وهذا الموقف المعتدل نجده في الإسلام حيث يدعو إلى حضارة إنسانية قائمة على تحقيق القيم الروحية و أيضا القوة المادية .

الدولة والأمة


الدولة والأمة .
نص السؤال : هل الدولة بحاجة إلى الأخلاق ؟
المقدمة : إن الدولة في تنظيم أمورها وتدبير شؤونها , تحتاج إلى هيئة تشرف على تسيير وتنظيم حياة الأفراد داخل إطار اجتماعي . وهو ما يعرف بالسلطة الحاكمة وهي تعمل على وضع القوانين وتطلب من الأفراد الالتزام بها قصد تحقيق المصلحة العامة . إلا أن هذه القوانين قد لا تقوى على ضبط العلاقات الاجتماعية ضبطا كاملا , فتنظيم علاقة الفرد بالفرد من جهة وعلاقة الفرد بالجماعة من جهة أخرى يجعل للأخلاق مكانة ودورا في التنظيم السياسي فهل الدولة تحتاج الأخلاق في نظام حكمها أم يكفيها ممارسة العمل السياسي ؟ بمعنى آخر هل يكفي ممارسة السياسة في الحكم دون ما حاجة إلى الأخلاق ؟
التحليل :
الدولة في غنى عن الأخلاق :
إن الأنظمة الفردية التي سادت قديما لم تعر أدنى اهتمام بالجانب الأخلاقي في الحكم . بل اهتمت كثيرا بالقوة , ولعل ذلك يظهر بوضوح في نظرية العقد الاجتماعي عند " هوبز " , ونظرية القوة والغلبة عند " ابن خلدون" في وصفه لكيفية قيام الدول وسقوطها , إلا أن ما ذهب إليه المفكر الإيطالي " ماكيافللي " (1469-1527) يبعد الأخلاق عن الدولة كونه يعتبر أن القوة المحركة للتاريخ هي المصلحة المادية والسلطة ويرى في مؤلفه الرئيس " الأمير " إن الدولة التي تقوم على الأخلاق والدين تنهار بسرعة , فالمهم بالنسبة للحاكم هو تحقيق الغاية المنشودة وهي قوة الدولة وسيطرتها بآية وسيلة كانت " الغاية تبرر الوسيلة " حيث كان يعتبر من المسموح به استخدام كل الوسائل في الصراع السياسي مبررا بذلك القسوة و الوحشية في صراع الحكام على السلطة . كما يرى أن فساد الدولة وتدهور العمل السياسي يعود إلى تدخل الأخلاق والدين لذلك يفصل بين السياسة والأخلاق .
لكن التاريخ يشهد أن مجمل الأنظمة التي قامت على القوة واللاأخلاق و تخلت عن الأخلاق وتحقيق القيم في الحكم كانت نهايتها الفشل .
الدولة بحاجة إلى الأخلاق :
لقد أمن بعض الفلاسفة منذ القديم بضرورة إدخال الأخلاق في العمل السياسي , فقد نظر " أرسطو " إلى علم الأخلاق على أنه علم عملي هدفه تنظيم الحياة الإنسانية بتحديد ما يجب فعله وما يجب تركه وهذا لا يتحقق إلا بمساندة القائمين على زمام الحكم باعتبار أن كثيرا من الناس لا يتجنبون الشر إلا خوفا من العقاب .
ولذلك فقد حدد أرسطو غاية الإنسان من الحياة في مستهل كتابه :" الأخلاق إلى نيقوماخوس " على أنها تحقيق " الخير الأعظم " وبدون معرفته و الوقوف عليه لا نستطيع أن نوجه الحياة .
بينما في العصر الحديث ربط " ايمانويل كانط " (1724-1804) فيلسوف ألماني السياسة بالأخلاق ربطا محكما . وبين على عكس ماكيافيللي أن الغاية من وجود الدولة هو مساعدة الإنسان وتحسين ظروف حياته وجعل من السياسة وسيلة لتحقيق غايتها وهي خدمة الفرد حيث يقول : " يجب أن يحاط كل إنسان بالاحترام التام كونه غاية مطلقة في ذاته " .
وقد عمل كانط من خلال كتابه " مشروع السلام الدائم " على أن الحياة السياسية داخل المجتمع الواحد وخارجه يجب أن تقوم على العدل و المساواة . وقد كان لكتابه تأثيرا على الأنظمة الحاكمة في أوروبا – وقد جاء في المادة الأولى من لائحة حقوق الإنسان : " يولد الناس جميعا أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق ..." .
وهي قيم أخلاقية يعمل المجتمع الدولي على تحقيقها .
لكن الحياة الواقعية التي يعيشها الإنسان وتعيشها الدول لا تقوم على مبادئ ثابتة بل ممتلئة بالحالات الخاصة التي لا تجعل الإنسان يرقى إلى هذه المرتبة من الكمال التي يعامل فيها أخيه الإنسان على انه غاية في ذاته .
الدولة تعتمد على السياسة وتحتاج إلى الأخلاق :
الإنسان مدني بالطبع , لهذا كان لابد أن يعيش الإنسان في جماعة , و أن تكون له مع هذه الجماعة مقتضيات الحياة السعيدة ومن هنا كان قيام المجتمع بحاجة إلى السياسة لتضع نوع الحكم الملائم له وبحاجة إلى الأخلاق لتنظيم علاقة الفرد بجماعته وبغيره من الأفراد .
الخاتمة : إن الدولة في حاجة ماسة إلى الأخلاق , وحتى الدول العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة تتبنى الكثير من القواعد الأخلاقية في أنظمة حكمها , فالأخلاق ما هي إلا قانونا في جانبه العملي .

هل تكفي المنافسة الحرة لتحقيق الرخاء الاقتصادي ؟


نص السؤال : هل تكفي المنافسة الحرة لتحقيق الرخاء الاقتصادي ؟
المقدمة : إن ظهور الثورة الصناعية في أوروبا كان لها انعكاس كبير على الشؤون الاقتصادية هناك , حيث تدخلت الدولة في أمور الاقتصاد عن طريق تنظيم قطاعات وتأميم قطاعات أخرى ... الأمر الذي أدى إلى تذمر البعض من أنصار النزعة الفردية مما أحدث رد فعل يطالب بالحرية الاقتصادية القائمة على المنافسة الحرة في مختلف الميادين فهل المنافسة الحرة جديرة بتحقيق الرخاء الاقتصادي ؟
التحليل:
القضية : المنافسة الحرة جديرة بتحقيق الازدهار الاقتصادي :
لقد ظهر النظام الرأسمالي متأثرا بالأنظمة الفردية السابقة فآمن بدور الفرد في المجتمع والملكية المطلقة فركزعلى مصلحة الفرد وجعل الدولة جهاز يعمل على حماية الفرد ومصالحه , منها حفظ حرياته في التعامل الاقتصادي وفتح المجال العام بما يسمح له بالتملك والإنتاج والبيع وهذا يبعث على التنافس الشديد بين الناس وعليه تقوم العدالة.
أنصار النظام الليبيرالي " الحزب الفيزيوقراطي " شعارهم ( دع الطبيعة تعمل ما تشاء دعه يمر بما شاء ) وهي عبارة مشهورة عند  أدم أسميث " دعه يعمل دعه يمر " فحفظ المصلحة الخاصة أحسن ضمان لحفظ المصلحة العامة .
ودليلهم على ذلك أن الشؤون الاقتصادية مثل الظواهر الطبيعية تخضع لنظام طبيعي إلهي لا لقوانين الدولة , فالقانون الطبيعي وحده المنظم لعلاقات السوق والعمل وهو ما يعرف بقانون العرض والطلب وفي هذا الاتجاه التنافس كفيل بتحقيق العدالة الاجتماعية .
مناقشة : هذه الطريقة في العمل أدت إلى زيادة رؤوس الأموال وتركيزها في يد أقلية من المالكين ( الطبقة الرأسمالية ) تستغل وتسيطر على بقية الطبقات الاجتماعية , مما ترتب عنه ظهور شركات كبرى أدت إلى ظهور الأسلحة والاستعمار والواقع أثبت أن هذا النظام أدى إلى حدوث أزمات اقتصادية كثيرة.
النقيض : الاقتصاد الموجه جدير بتحقيق الازدهار الاقتصادي .
في وقت بلغت فيه الرأسمالية قوتها وتحولت إلى توسع استعماري يلتهم خيرات الشعوب الضعيفة والبنوك هي المحرك الوحيد لعقول الناس , ظهرت الماركسية كنظام اقتصادي يكشف عن التناقضات الموجودة في الرأسمالية , وتطالب بتدخل الدولة في تنظيم الاقتصاد , وهنا ما عمل على توضيحه " كارل ماركس "من خلال كتابه " رأس المال " الذي عمل فيه على فضح الرأسمالية فقال " الرأسمالية تحمل في طياتها آيات بطلانها " وكشف عن نظريته في الاشتراكية التي تقوم على قواعد مخالفة تماما لتلك التي قامت عليها الرأسمالية , ومن قواعدها : ملكية وسائل الإنتاج جماعية , والأرباح توزعها الدولة في صورة مشاريع وفقا لتنظيم اقتصادي موجه ( التخطيط الاقتصادي).
نقد : هذا النظام نجح في القضاء على الطبقة وخفف من معاناة العمال إلا أنه لم يحقق التطور الاقتصادي المحدد مسبقا بدليل عدم ظهور الشيوعية و ذلك لأسباب موضوعية لم تلاحظها الماركسية ومنها بعد النظرية عن طبيعة الإنسان بمنعها لحق التملك .
التركيب : إذا كان النظام الاقتصادي الرأسمالي اهتم بالفرد بإطلاق حرية المنافسة والنظام الاقتصادي الاشتراكي اهتم بالجماعة بتقييده لحرية الفرد , فإن كلتا النظريتين فيهما إجحاف وتبقى النظرة الموجهة إلى الاقتصاد الإسلامي الذي يتجاوزهما إلى الاهتمام بالفرد والجماعة معا . و هو ينظر للحياة نظرة شاملة مادية ومعنوية تقوم على مراعاة الجانب الأخلاقي في التعامل الاقتصادي منها مثلا : الفرد والجماعة لهما الحق في الملكية بشرط أن يكون الكسب مشروعا وحلالا ومن أجل تضييق الهوة بين الفقراء و الأغنياء فرض الزكاة وشرع قواعد للملكية ... الخ .
الخاتمة : إن المنافسة الحرة وإن كانت تساهم في التطور الاقتصادي فإنها سبب في الصراع الاجتماعي وضحيته الإنسان الضعيف وسبب في ظهور الاستغلال واللاأمن . والتفكير في التنظيم الاقتصادي نتيجته الوقوف على أنظمة اقتصادية مختلفة والمنافسة المطلقة ليست وحدها كفيلة بتحقيق الرخاء الاقتصادي .

الشغل والتنظيم الاقتصادي


الشغل والتنظيم الاقتصادي .
نص السؤال : هل الغاية من الشغل حفظ البقاء وحسب ؟
المقدمة : إذا كان بإمكان الإنسان اليوم أن يلاحظ مدى القلق الذي يحدثه الشغل في الأسر الحديثة , فإن الأمر ذاته كان يحدث لدى الأسر القديمة و حتى عند الإنسان الأول قبل انضمامه إلى المجتمع المدني . وإذا كان الإنسان يتحمل هذا القلق وهذا التعب في سبيل الحصول على عمل من أجل تلبية رغباته وإشباع حاجاته الضرورية التي تحفظ له البقاء فهل تلبية ضروريات الحياة والمحافظة عل البقاء هي الغاية الوحيدة للشغل ؟
التحليل :الشغل ضرورة بيولوجية تحفظ بقاء الإنسان :
إن أكبر مشكلة صارعها الإنسان منذ وجوده هي تلبية الضروريات والحفاظ على الوجود بتوفير المأكل , الشرب ,الملبس , المأوى ...الخ . ولا يتسنى له ذلك إلا بالشغل , وهكذا يرى أنصار الاتجاه البيولوجي أن الحاجة البيولوجية هي الدافع الأساسي للشغل .
ودليلهم على ذلك أن الإنسان منذ العهود الغابرة لو وجد كل شيء جاهز في الطبيعة لما أقدم على العمل وعلى بذل الجهد لتغيير الطبيعة أو التأثير فيها , والواقع يثبت تاريخيا أن طبقات ترفعت عنه وأكرهت الآخرين عليه ( المجتمع اليوناني , نظرة أفلاطون من خلال كتابة الجمهورية ) نظرا لما في الشغل من إلزام وعناء و قساوة .
لكن الإنسان وبوصفه أرقى الكائنات تجاوز الصراع القائم بيته وبين الطبيعة ولم يعد نشاطه موجها إلى سد حاجياته البيولوجية وحسب و إنما أنتج قيما روحية ومعنوية للشغل مكنته من إنتاج حضارة متقدمة .
الشغل ليس ضرورة بيولوجية بل عنوان التقدم والرقي :
لقد تغير موقف الإنسان من الشغل عبر التاريخ فنظر إليه اليونان نظرة احتقار واعتبره اليهودية لعنة وربطته المسيحية بخطيئة آدم . أما الإسلام نظر إلى العمل نظرة مختلفة تماما عما سبق حيث اعتبره في منزلة العبادة و أوجبه على الجميع حيث قال تعالى : " وقال اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " . كما اعتبره نعمة تستدعي الشكر وشرفا يحاط به المرء حيث يقول ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن أشرف الكسب كسب الرجل من يده " وسيادة لصاحبه حيث يقول أيضا : " خادم القوم سيدهم " .
وهكذا أخذ العرب هذه الصفات النبيلة للعمل , وأصبح الشغل ذلك الجسر الذي يمر به الإنسان من مرحلته البدائية إلى المرحلة الحضارية . أين أصبح يتحكم في الطبيعة كما يقول هيغل : " أصبح الإنسان يتملك الطبيعة " و يهدف إلى تحقيق القيم الاجتماعية حيث يرى أنصار الاتجاه الاجتماعي أن الشغل ظاهرة اجتماعية باعتبار أن الفرد بمفرده عاجز عن إشباع حاجاته مما فرض عليه التعاون مع الغير , فنشأت التجمعات السكانية كالمدن و القرى فأصبح الشغل نشاط جماعي ويهدف إلى تحقيق قيم اجتماعية حيث ذهب " ابن خلدون " إلى أن الإنسان مدني بالطبع . وأن الشغل نشاط ملازم للاجتماع البشري . لكن الشغل كان في بدايته دافعا بيولوجيا و لا يعتبر شرفا عند جميع الناس فالدافع البيولوجي لا يزال فاعلا خاصة في ظل بعض الأنظمة التي تشغل حتى الأطفال وفي سن مبكرة .
الشغل دافع بيولوجي ودافع أخلاقي اجتماعي معا :
لقد كان العمل في البداية واقعا بيولوجيا فحاجات الإنسان كثيرة و إمكاناته الأولية محدودة فكان همه في الحياة تلبية ضرورياته و المحافظة على وجوده , لكنه بعد التحكم في الطبيعة , و ظهور العلوم والصنائع أصبح الشغل دافعا أخلاقيا واجتماعيا ولم يعد الدافع البيولوجي سوى وسيلة وليس غاية حيث يقول (صلى الله عليه وسلم ) : " نحن قوم نأكل لنعيش لا نعيش لنأكل " .
الخاتمة : إن الدور الكبير الذي لعبه الشغل في حياة الإنسان قديما و حديثا , يكشف أن القيمة التي يحتلها اليوم عند الأفراد والشعوب فهو بالإضافة إلى أنه مصدر النمو والتطور والرقي في سلم الحضارة فإنه المقياس الذي نقيس به مدى تقدم الأمم والحضارات .

أيهما أجدر بتحقيق العدالة : القانون أم الأخلاق ؟


نص السؤال : أيهما أجدر بتحقيق العدالة : القانون أم الأخلاق ؟
المقدمة :
إذا كان القانون جملة القواعد العملية المفروضة على الإنسان من الخارج لتنظيم شؤون حياته .و الأخلاق إلزام داخلي يأمر وينهي في مجال الخير والشر فكلاهما يهتم بالإنسان ولكن من زاويتين مختلفتين لهذا يطرح السؤال أيهما أجدر بتحقيق العدالة الاجتماعية ؟
التحليل :
القضية : يرى أنصار الاتجاه السياسي أن القوانين هي التي تحقق العدالة الاجتماعية لأن القانون هو الحارس الأمين للنظام الاجتماعي والموجه لسلوك الأفراد والمنظم لعلاقاتهم لدرجة أن الحياة الاجتماعية لا تستقيم بدونه يقول " مونتيسكو" : " ليس هناك من ظلم أو عدل إلا ما تأمر به أو تنهى عنه القوانين الوضعية "
ويقول أبو العلاء المعري :
قد فاضت الدنيا بناسها * على براياها و أجناسها
كل من فوقها ظالم * وما بها أظلم من ناسها
ويقول " شو بنهاور"  :" الأخلاق من صنع الضعفاء حتى يقوا أنفسهم من شر الأقوياء " .
وحجتهم في ذلك أن الطبيعة البشرية شريرة , وبالتالي لا يمكن قيام عدالة اجتماعية على الأخلاق .
نقد : أصحاب هذا الاتجاه أهملوا الجانب الخير في الإنسان ونظرتهم تشاؤمية إذ أن القوانين كثيرا ما تكون جائزة كما في مقدرة الإنسان الإفلات منها وتجاوزها.
النقيض : يرى أنصار الاتجاه الأخلاقي أن الضمير الخلقي كإلزام داخلي جدير بتحقيق العدالة الاجتماعية لأنه يتابع صاحبه أينما حل .
يقول " برغسون " : " الأخلاق من ابتكار الأبطال لفائدة الإنسانية جمعاء " .
يقول كانط : " شيئان يملآن إعجابي سماء مرصعة بالنجوم وضمير يملأ قلبي "يقول انجلز : " الأخلاق من صنع الأقوياء " .
وحجتهم في ذلك أن القانون لا يستطيع مراقبة الفرد وبالتالي يمكنه الإفلات منه ولكنه لا يستطيع الإفلات من ضميره هذا بالإضافة إلى أن طبيعة الإنسان خيرة.
نقد : لكن هناك من يتميز بضعف الضمير وبنية مريضة وبالتالي لا ينبغي تركهم وشأنهم . كما أن بناء العدالة على الأخلاق معناه إخضاعها للعاطفة والعاطفة متقلبة ومتغيرة .
التركيب : وعليه العدالة الاجتماعية تتحقق بالجمع بين القانون والأخلاق و لا يمكن قيامها بأحدهما دون الأخرى إن قيام العدل يقتضي التقيد بالصالح العام وهذا يفرض علينا احترام القانون أخلاقيا كان أو اجتماعيا .
الخاتمة : إن التعامل في العلاقات الإنسانية وقيام العدالة الاجتماعية يتم بالقانون الذي يعتمد على العقل وبالأخلاق التي تعتمد على العاطفة فإذا كان القانون يمثل روح هذه العلاقات فإن الأخلاق يمثل حرارتها .

إشكالية العدل


إشكالية العدل .
نص السؤال : هل يمكن إقامة العدل بمجرد تحقيق المساواة ؟
المقدمة : إذا كان العدل هو الاستقامة في الاستحقاق , وهو الاعتدال أي التوسط بين الإفراط والتفريط , فإن مسألة تحقيق العدل ترتبط ارتباطا وثيقا بفكرة المساواة مثلما ترتبط فكرة الظلم بإحداث التفاوت بين الناس وعليه فهل العدل يكمن في تحقيق المساواة واحترامها أم أن العدل يكمن في إقامة التفاوت بين الناس واحترامه ؟
التحليل :
العدل يقوم على احترام التفاوت القائم بين الناس :
يذهب بعض الفلاسفة من أنصار التفاوت إلى أن العدل يكمن في احترام التفاوت القائم بين الناس , و أيضا في إقامته بينهم , لأن الناس يختلفون بالولادة في قدراتهم العقلية والجسمية ( الذكاء والغباء , القوة والضعف ) و ليس من العدل أن نسوي بينهم بل العدل يكمن في التمييز بينهم وعلى هذا الأساس قام المجتمع اليوناني القديم حيث أن " أفلاطون " : في جمهوريته الفاضلة يميز بين صنفين من الناس العبيد بقدرات عقلية محدودة وأوكل لهم العمل اليدوي والأسياد يملكون القدرات العقلية الهائلة أوكل إليهم العمل الفكري كالأشغال بالفلسفة . كما نظر " أرسطو " بعده إلى التفاوت على أنه قانون الطبيعة ويجب احترامه . ونجد هذا الموقف عند بعض المحدثين حيث يقول " ألكسيس كاريل Alexis Karel " ( عالم فيزيولوجي وجراح فرنسي : " فبدلا من أن نحاول تحقيق المساواة بين اللامساواة الجسمية والعقلية يجب أن نوسع من دائرة الاختلافات وننشئ رجالا عظماء ") وهكذا يكون التفاوت عدل بينما المساواة ظلم .
مناقشة : حقيقة الناس مختلفون بالطبيعة والتفاوت بينهم أمر طبيعي ومقبول لكن البعض يتخذ من التفاوت الطبيعي ذريعة لإقامة التفاوت الاجتماعي المصطنع من قبل طبقات اجتماعية مسيطرة لذا ينبغي تحقيق المساواة بين الناس .
العدل يكمن في إقامة المساواة بين الناس واحترامها :
يذهب البعض الآخر من الفلاسفة وهم أنصار المساواة إلى أن العدل يكمن في تحقيق المساواة بين الناس ن التفاوت القائم بين الأفراد يعود في معظمه إلى تأثير المجتمع لا إلى تأثير الطبيعة . فالطبيعة لم تخلق طبقة الأسياد وطبقة العبيد كل هذا من صنع المجتمع , وقد وجدت هذه الفكرة لدى المجتمعات القديمة حيث قال أحد حطباء اليونان وهو شيشرون : " الناس سواء وليس شيئا أشبه بشيء من الإنسان بالإنسان ... " وقال " عمر بن الخطاب " :  " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " . كما نجد هذا الموقف أكثر رواجا عند فلاسفة العصر الحديث ومنهم " برودون " ( فيلسوف و عالم اجتماعي فرنسي 1809-1865) الذي يقول : " إن العدل يكمن في احترام الكرامة الإنسانية " بينما يدعو " كانط " في كتابة مشروع السلام الدائم إلى نظام دولي جديد ترتكز فيع العلاقات على الديمقراطية والمساواة والعدل و هكذا فإن الاعتماد على التفاوت في تحقيق العدل فيه ظلم للناس .
مناقشة : حقيقة العدل بهذا المعنى أقرب إلى المساواة منه إلى التفاوت ولكن لا يمكن اعتبار كل مساواة عدل ولا يمكن أن نسوي بين الناس في كل شيء لأن المساواة المطلقة فيها ظلم لبعض الناس
العدل يكمن في تحقيق المساواة مع احترام التفاوت الطبيعي :
لا يمكن اعتبار كل مساواة عدل كما لا يمكن اعتبار كل تفاوت ظلم فإن المساواة التي يأمل فيها الإنسان لا تتنافى والتفاوت الصادر عن الطبيعة , فالعادل من الناس هو المستقيم الذي يسوي بين الناس أمام القانون و يحترم حقوقهم دون تدخل الاعتبارات الشخصية و لا يظلم في حكمه أحد و هكذا سوف تظهر الكثير من الصفات النبيلة كالكفاية والاستحقاق وتختفي الكثير من الصفات الرذيلة كالتمييز العنصري .
الخاتمة : لا يمكن تحقيق المساواة المطلقة بين الناس لأنهم متفاوتون في القدرات الجسمية والعقلية ولا يمكن محو ظاهرة التفاوت من حياة الناس لأنها طبيعة فيهم , وعليه فالعدل يكمن في تحقيق المساواة بين الناس أمام القانون .

هل المجرم المسؤول الوحيد عن جرائمه ؟


المسؤولية والجزاء .
نص السؤال : هل المجرم المسؤول الوحيد عن جرائمه ؟
مقدمة : إن الحديث عن المسؤولية يقودنا إلى الحديث عن فكرة الجزاء فإذا كانت المسؤولية هي تحمل الفرد لنتائج أفعاله فالجزاء هو النتيجة المترتبة عن تحمل المسؤولية إذ لا يمكن أن تستقيم الحياة الاجتماعية إلا بتحديد المسؤوليات ولا فائدة من تحديد المسؤوليات دون تطبيق الجزاء لكن المشكلة التي تواجه عملية تطبيق الجزاء هي مشروعيته بمعنى هل كل إنسان يقوم بفعل يكون وحده المسؤول عنه ؟ أو بمعنى آخر إذا صدر عن الإنسان فعل شر فهل نعتبره مجرما ونحمله وحده نتائج الفعل , أم أن هناك أطرافا أخرى يجب أن تتحمل معه نتائج فعله ؟
التحليل :
المجرم مسؤول وحده عن جرائمه :
إن الجزاء في نظر فلاسفة الأخلاق هو الثواب والعقاب والجزاء في الأصل هو الفعل المؤيد بقانون كالعقاب الذي يفرض على من ارتكب الجريمة فإذا تعمد شخص إلحاق ضرر بآخر فليس من المعقول ألا نعاقبه بل نجد المبرر الكافي الذي يدعونا لعقابه فالعقاب هنا مشروع وعادل كون الإنسان حر وعاقل وهذا نجده عند أصحاب النزعة العقلية ومنهم " أفلاطون " قديما حيث قال : " إن الله بريء والبشر هم المسؤولون عن اختيارهم الحر " وقال كانط حديثا :"إن الشرير يختار فعله بإرادته بعيدا عن تأثير الأسباب و البواعث فهو بحريته مسؤول " ونجد هذا الموقف في الفكر الفلسفي الإسلامي عند المعتزلة الذين يقولون : " إن الإنسان يخلق أفعاله بحرية لأنه بعقله يميز بين الخير والشر فهو مخير لا مجبر فهو مكلف مسؤول " والغرض من العقاب في نظر هذا الاتجاه هو مجازاة المجرم بحسب جريمته .
مناقشة : ولكن مهما كانت حرية الإنسان وقدرته العقلية فإنه لا يمكن إهمال طبعه وظروفه فالإنسان خاضع لحتميات تجعل اختياره محدودا .
المجرم لا يعتبر وحده المسؤول عن الجريمة :
إن الدراسة الحديثة في مجال علم النفس وعلم الاجتماع أثرت كثيرا على المشرعين وغيرت نظرتهم إلى العقوبة والغاية منها وإلى المجرم و أساليب التعامل معه مما أدى بالمجتمع إلى الانتقال من التفكير في عقاب المجرم إلى التفكير في علاجه وإعادة إدماجه وتكييفه مع الجماعة وهو ما نجده عند أصحاب النزعة الوضعية ومنهم " لومبروزو " أحد ممثلي المدرسة الإيطالية في علم الإجرام (1835-1909) الذي يرى أن المجرم يولد مزودا باستعداد طبيعي للإجرام وكذا " فيري " 1856-1922 عالم إيطالي في الإجرام يرى أن المجرم لا يوجد مجرما ولكن تصنعه ظروف بيئته الاجتماعية الفاسدة فالجريمة نتيجة حتمية لمجموعة من المؤثرات لابد عند توافرها من وقوع الفعل الإجرامي كالبطالة والسرقة . كما نجد هذا الموقف في الفكر الفلسفي الإسلامي عند الجبرية حيث يرون " إن الإنسان ليس علة أفعاله فهو مجبر على فعل الفعل بعلة ما فلا اختيار لإرادة الإنسان أمام إرادة الله المطلقة " وهؤلاء عموما يركزون على الجزاء الإصلاحي .
مناقشة : لكن الأخذ بهذا الموقف يلغي المسؤولية والجزاء لأن التسامح مع المجرم يزيد في عدد الإجرام وهذا يجعلنا نتساءل على من تقع التبعة وهل نهمل الضحية ؟
المجرم مسؤول عن جرائمه مع مراعاة مختلف ظروفه ودوافعه للإجرام :
في كل من هذين الاتجاهين نجد بعض النقائص فالاتجاه العقلي يهتم بالجريمة ويهمل المجرم وكأن العقوبة غاية في ذاتها . كما أن الاتجاه الوضعي يهتم بالمجرم ويهمل فضاعة الجريمة وكأن المجرم لا ذنب له .
إن العقاب الانتقامي يجعل من المجرم عدوا لدودا لمجتمعه كما أن الجزاء الإصلاحي قد يشجع المجرم على الإجرام وعليه فالمجرم يجب أن ينال العقاب لأنه مسؤول عن جرمه لكن درجة العقوبة تتحدد تبعا للظروف والدوافع التي دفعته للإجرام .
الخاتمة : بناء على ما سبق نستنتج أن القول بالعقاب أول القول بالإصلاح فيه اعتراف ضمني بمدى مسؤولية المجرم عن جريمته غير أن تحديد مستوى المسؤولية ودرجة العقوبة يكون حسب شدة الاختيار وفضاعة الجريمة .
وعليه فإن وصمة الإجرام تبقى عالقة بالمجرم مهما كانت الدوافع وقد جاء في القرآن الكريم (( ولكم في القصاص حياة .. )) .

لا يوجد غيري فأنا وحدي الذي أقرر الخير واخترع الشر


يقول جون بول سارتر : لا يوجد غيري فأنا وحدي الذي أقرر الخير واخترع الشر " حلل وناقش " .
المقدمة : يطلق لفظ الأخلاق على جميع الأفعال الصادرة عن النفس محمودة كانت أو مذمومة فالمحمود منها يعرف بالخير والمذموم منها يعرف بالشر , وهما المحوران اللذان يدور حولهما علم الأخلاق, و إذا كان سارتر قد أرجع الخير والشر إلى الفرد فهل مصدر القيمة الأخلاقية ذاتي دائما ؟ بمعنى هل الخير والشر من صنع الإنسان أم أن هناك أطرافا أخرى يمكنها صناعة القيم الأخلاقية ؟
التحليل :
القيمة الأخلاقية ذاتية : القيم الأخلاقية مصدرها الفرد
ذهب سارتر إلى أن مصدر القيمة الأخلاقية هو الفرد , فهو الذي يقرر الخير وهو الذي يخترع الشر , فتصور سارتر الإنسان على أن كائن لذاته , وتصور سارتر للنشاط الإنساني على أنه حر , وأن ماهية الإنسان هو ما يوجده بنفسه ( الوجودية ) يشتمل على فلسفة سارتر الأخلاقية والتي تنطلق من الذات فيترتب عليها أن الإنسان هو الذي يضع القيم فيضع الخير والشر . وبذلك فهو يعدم وجود الغير وقدرة الغير في وضع القيم وعلى هذا كانت المسؤولية مطلقة عند سارتر .
غير أن هذا الرأي نجده عند أنصار النزعة التجريبية والنزعة العقلية على حد سواء , فالتجريبيون يرجعون مصدر القيم الأخلاقية إلى التجربة و الممارسة الفردية , التي تتطور إلى عادة اجتماعية , كما أن العقليون يرون أن مصدر القيم الأخلاقية هو العقل الإنساني إذ به نحكم على الأشياء وبه نميز بين الخير والشر وبالتالي فالفرد مصدر القيم الأخلاقية .
- لكن الفرد ليس المصدر الوحيد للقيم الأخلاقية , فإقصاء الغير في صناعة الأخلاق أمر لا يثبته الواقع , كما أن التجربة الفردية مختلفة و متناقضة والعقل قاصر لا يهدي صاحبه في جميع الأحوال القيمة الأخلاقية موضوعية : القيم الأخلاقية مصدرها المجتمع والدين .
إن الأخلاق في نظر آخرين من الفلاسفة على خلاف " سارتر" تنبع من المجتمع ومن الدين حيث يرى أنصار النزعة الاجتماعية أن القيم الأخلاقية نابعة عن تأثير الجماعة في الفرد حيث يقول " دور كايم " : " إذا استنكر أحدنا الفاحشة فلأن المجتمع يستنكرها " . كما يرى أنصار الاتجاه الديني أن القيم الأخلاقية صادرة عن الوحي ( فالتعليم الدينية مصدر القيم الأخلاقية ) فهي جاءت لكي تساعد العقل على إدراك الخير والشر .
هذا الموقف الديني نجده بوضوح عند مفكري الإسلام خاصة موقف الأشاعرة الذي يعتبر الدين مصدر الخير والشر فالواجبات في نظرهم سمعية كلها " افعل ما تؤمر " آية . باعتبار أن القيم مختلفة باختلاف الدين .
- لكن الفرد قد يحدث ثورة فكرية , وأخلاقية ويخرج عن العرف ويغير قواعد المجتمع , كما أن المثل الأعلى الوارد عن طريق الوحي قد ينعدم لدى بعض الشعوب وتبقى لديهم أخلاقهم الخاصة .
القيمة الأخلاقية ذاتية وموضوعية : القيم من صنع أطراف مختلفة .
من القيم الأخلاقية ما هو صادر عن الفرد وتبقى هذه الأخلاق محل اختلاف بين الناس , ومن القيم ماهو صادر عن المجتمع كالعادات و التقاليد وهي متغيرة من جماعة لأخرى , و من القيم ما هو صادر عن الوحي كأخلاق المسلمين وما يتعلق بالحلال والحرام وهي تتمتع بالثبات .
الخاتمة : إن موقف سارتر من الأخلاق لا يمكن التسليم به , إذ ليس بإمكان الفرد أن يقرر وحده الخير والشر , رغم أنه قادر على إبتكار القيم الأخلاقية وقادر على الالتزام بها أو تركها . فالقيم الأخلاقية تصنعها أطراف مختلفة الفرد , المجتمع , الدين .

المشكل الأخلاقي


المشكل الأخلاقي .
نص السؤال : هل يمكن إقامة الأخلاق على أساس العقل وحده ؟
المقدمة : إن المذاهب الأخلاقية وجدت نتيجة محاولة الفلاسفة فهم و تفسير الأخلاق العملية أي السلوك اليومي للناس ولذلك فأول خلاف واجهته هذه المذاهب هو أساس القيم الأخلاقية , وقد تعددت المذاهب الأخلاقية تبعا لتعدد هذه الأسس , والتي من أهمها العقل . فهل يمكن اعتبار العقل أساسا وحيدا للقيم الأخلاقية ؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يجمع الناس كلهم على الأخلاق تبنى على العقل وحده ؟
التحليل :
العقل أساس القيمة الأخلاقية :
يذهب بعض الفلاسفة إلى أن  العقل هو الذي يصنع القيم الأخلاقية و أن القيم الأخلاقية تتمثل في الفضيلة . حيث كان " سقراط " يقول : " أن العقل مصدر الفضيلة والخير الأسمى " إلا أن هذا الموقف بعثه من جديد وبقوة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ( 1724-1804) االذي كان يرى أن العقل هو أساس القيم الأخلاقية , و ان هناك مبدأ واحد يعتبره الناس خيرا وهو الإرادة الخيرة ( النية الطيبة ) هي وحدها خيرا مطلقا , وهي لا تقاس بنتائجها و إنما بمبدئها الذاتي , ومن ثم بالأوامر الأخلاقية نوعان :
أ- الأوامر الشرطية : ونعني بها القيام بالفعل لخير مطلوب ( غاية ) .
ب- الأوامر القطعية : القيام بالفعل لغاية ذاتية ( الحق من أجل الحق ) وهو وحده فعل الأخلاقي مثل التاجر الذي يستقيم مع زبائنه يفعل ذلك طبقا للواجب , ولكنه بدافع المنفعة لا الواجب , والإرادة الخيرة تعمل بدافع الواجب لا طبقا للواجب , ولهذا سميت أخلاق كانط بأخلاق الواجب .
مناقشة : يعاب على أخلاق كانط أنها نظرية وصورية ولا تهتم إلا بالأخلاق التي تتطابق مع أوامر العقل , وتهمل الأخلاق النابعة عن الشعور , بينما يتصرف الناس حسب شعورهم أكثر مما يتصرفون حسب عقولهم .
ليس العقل الأساس الوحيد للأخلاق :
لقد وجدت الكثير من الأسس الأخلاقية قبل كانط , منها مبدأ اللذة الذي كان يعتبر في نظر أرستيب القورينائي هو الخير المطلق حيث قال " ... اللذة هي الخير الأعظم , وهي مقياس القيم جميعا ..." ثم عمل أبيقور على تطوير مذهب اللذة إلى منفعة حيث كان يرى أنه هناك لذة أفضل من لذة أخرى ... فاللذة العقلية أفضل من اللذة الحسية ... ثم عمل بنتام على تطوير مذهب المنفعة حيث وضع لها مقاييس .
كما وجد فلاسفة الإسلام في الدين المبدأ الملائم لإقامة الأخلاق لأن العقل وحده قاصر لا يملك القدرة على التميز بين الخير و الشر دائما . كما أن الواجبات الدينية كلها سمعية " أفعل ما تؤمر " آية . ودليلهم على ذلك اختلاف القيم باختلاف الديانات . وإرادة الله مطلقة  اختيار لإرادة الإنسان فيها . ويمكن إقامة الاختلاف على أسس أخرى كما فعل بعض الفلاسفة الآخرون كأصحاب النزعة الاجتماعية " المجتمع " .
مناقشة : لا يمكن بناء الأخلاق على اللذة وحدها , أو المنفعة وحدها لأن المنافع متعارضة ( مصائب قوم عند قوم فوائد ) كما أن الدين لم يوجد عند جميع الشعوب .
أساس القيمة الأخلاقية واحدا :
لا يمكن أن نبني الأخلاق على مبدأ واحد , حتى لو كان العقل أو الدين نظرا إلى أن القيم الأخلاقية نسبية متغيرة عبر الزمان والمكان وهي تابعة لشروط مختلفة تتحكم فيها . فالمجتمع الإسلامي يتمسك بالدين أولا و بالعقل ثانيا كمبدأين أساسين في إقامة الأخلاق دون إهمال باقي المبادئ الأخرى .
الخاتمة : معيار الفعل الأخلاقي ليس واحد , فقد تعددت مبادئ القيمة الأخلاقية بتعدد المذاهب الأخلاقية . لكن الأخلاق الإسلامية تركيبية شاملة لما تحتويه المذاهب الأخرى .

هل المجتمع بالنسبة للفرد أداة قمع أم أداة تحرر؟


نص السؤال :هل المجتمع بالنسبة للفرد أداة قمع أم أداة تحرر؟
المقدمة : يقوم المجتمع الحديث على علاقات اجتماعية متينة أهم حلقاتها الفرد من جهة والمجتمع من جهة أخرى , وبما أن حياة الأفراد لا تنتظم إلا في أطر اجتماعية فإن علاقة الفرد بالمجتمع بقيت محل نقاش بين الفلاسفة و العلماء حيث ينظر البعض إلى أن المجتمع يلعب دورا فعالا في نمو قدرات الأفراد وتفتح مواهبهم لكن البعض الآخر يرى أن المجتمع يشكل عائقا أمام حريات الفرد . فهل يعتبر المجتمع أداة تحرر الأفراد أم قشرة ضاغطة عليهم ؟
التحليل :
المجتمع أداة قمع وضغط على الفرد :
يذهب بعض الفلاسفة إلى أن المجتمع يلعب دورا سلبيا في حياة الفرد حيث أوجد القوانين الاجتماعية والقيم الأخلاقية للضغط على الأفراد والحد من حرياتهم ولعل أهم من مثل هذا الرأي الفيلسوف الروحي صاحب النزعة الفوضوية " باكونين " الذي يرى أن قيادة الجنس البشري إلى مملكة الحرية لا يكون إلا باستبعاد مبدأ السلطة من حياة الناس وعلى رأسها الدولة .
كما نجد هذا الموقف عند أنصار الاشتراكية في صراعهم ضد المجتمع البورجوازي .
نقد : لكن المجتمع لا يحد دائما من حريات الأفراد , خاصة في المجتمعات الديموقراطية أين يصبح دور المجتمع مساعدة الأفراد على إبراز قدراتهم .
المجتمع أداة تحرر وتفتح للأفراد :
يذهب البعض الآخر من الفلاسفة إلى أن المجتمع يلعب دورا إيجابيا في حياة الأفراد حيث يضمن حرياتهم الفردية خاصة الحرية المدنية التي تسمح للأفراد بالاستمتاع بحقوقهم المدنية في ظل القانون . " فالإنسان مدني بالطبع " على حد تعبير ابن خلدون فما القيم الأخلاقية والقوانين الاجتماعية وما يعرف بالحقوق والواجبات إلا أطرا لحماية للحريات الفردية داخل المجتمع , وأكثر من ذلك إن حرية الفرد لا تتحقق إلا داخل المجتمع , فالمجتمع ضرورة تحتمها طبيعة الإنسان .
- لكن القوانين الاجتماعية غالبا ما تكون صادرة عن طبقة مسيطرة مما يجعلها قائمة على التعسف و لا تراعي مصلحة الجميع .
المجتمع قد يحد من حريات الأفراد كما قد يمكنهم من الاستمتاع بحرياتهم :
إن الناس يختلفون في نظرتهم إلى الحرية باختلاف مذاهبهم و اتجاهاتهم ولعل النظرة السليمة أنى يتمتع الإنسان بحرياته مع مراعاة حريات الآخرين ما دام يعيش معهم في محيط واحد , وقد جاء في المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان " يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته للقيود التي يعينها القانون ". والغرض من التقيد بالقانون ضمان الاعتراف بحقوق الغير , و احترام حرياته وتحقيق ما يقتضيه النظام العام من شروط عادلة .
الخاتمة : إن المجتمع أصلا يعمل على تحقيق الحريات الفردية إلا أنه أحيانا يحد من حرياتهم واستعداداتهم خاصة عندما تكون القوانين جائزة لا تخدم الصالح العام وعموما حرية الإنسان تبقى نسبية لا مطلقة " فحريتي تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين " .

عناوين المقالات

إشكالية الإدراك إشكالية العدل إشكالية تطبيق المنهج التجريبي على الظواهر الإنسانية الإحساس والإدراك الاستبيان الأمة الانفعالات التفكير الرياضي التفكير العلمي الحداثة في الأدب العربي الحرية والتحرر. الدولة والأمة الذاكرة الذكاء والتخيل الذكاء والذاكرة الشخصية والطبع الشعور واللاشعور الشغل والتنظيم الاقتصادي الطبيعة والثقافة العادة وأثرها العادة وأثرها على السلوك الفرضية شرط ضروري في كل بحث علمي الفلسفة نمط متميز من التفكير ما الذي يبرر ذلك ؟ اللغة و الفكر اللغة والتواصل المسؤولية و الجزاء المشكل الأخلاقي المغالطات في الفلسفة النص لـ غاستون باشلار Gaston Bachelard : النموذج والبراديغم أيهما أجدر بتحقيق العدالة : القانون أم الأخلاق ؟ أيهما أهم في الإدراك : العوامل الذاتية أم العوامل الموضوعية ؟ فلسفة فن النحت لا يوجد غيري فأنا وحدي الذي أقرر الخير واخترع الشر ما الدليل على وجود اللاشعور ؟ ما العلاقة بين السؤال العلمي والسؤال الفلسفي ؟ ما دور الثقافة في حياة الإنسان ؟ ما علاقة الطبيعة بالثقافة ؟ ما قيمة القياس؟ طريقة جدلية مقال حول أصل المعرفة الإشكال مقالة جدلية حول أصل المفاهيم الرياضية لأسئلة مقالة حول الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية مقالة/ ھل أصل المفاھيم الریاضية تعود إلى العقل أم إلى التجربة؟ منهجية و مناهج البحث العلمي هل الإبداع ظاهرة فردية خاصة ؟ هل الاستبطان كاف لفهم سلوك الإنسان ؟ هل التجربة شرط في كل معرفة علمية ؟ هل المجتمع بالنسبة للفرد أداة قمع أم أداة تحرر؟ هل المجرم المسؤول الوحيد عن جرائمه ؟ هل النسيان مرض ؟ هل الوراثة وحدها كفيلة بإحداث فروق فردية ؟ هل تكفي المنافسة الحرة لتحقيق الرخاء الاقتصادي ؟ هل يشكل الشعور مجمل الحياة النفسية عند الإنسان ؟ هل يقوم الهيجان بوظيفة إيجابية دائما في حياة الفرد ؟ هل يمكن الاستغناء عن الفرض العلمي؟ هل يمكن الفصل بين الإحساس و الإدراك ؟ هل يمكن القول ان العقل هو اساس القيمة الاخلاقية ؟